ابن رشد
31
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
في عرضه لعقائد المذهب الأشعري الذي خصص له كتابه " الاقتصاد في الاعتقاد " . غير أن هذا التحول في المنهج لم يمس المضمون ، لا على مستوى المفاهيم ولا على مستوى الرؤية . وذلك إلى أن ظهر فخر الدين الرازي ليكرس السينوية على صعيد علم الكلام . لقد تبنى الرازي مفاهيم ابن سينا الفلسفية مثل الواجب ، والممكن ، والممكن بذاته الواجب بغيره الخ . . . ( مما سنعرض له في مقدمة طبعتنا ل " تهافت التهافت " ) ، فرسّم بذلك طريقة المتأخرين الذين " التبس عليهم شأن الموضوع في العلمين ( التبس عليهم موضوع علم الكلام بموضوع الفلسفة ) فحسبوه واحدا من اشتباه المسائل فيهما " . وهذه الطريقة " قد يعنى بها بعض طلبة العلم للاطلاع على المذاهب والإغراق في معرفة الحجاج لوفور ذلك فيها . وأما محاذاة طريقة السلف بعقائد علم الكلام فإنما هو للطريقة القديمة للمتكلمين ، وأصلها كتاب الإرشاد ( للجويني ) وما حذا حذوه " . « 24 » كان فخر الدين الرازي ( 544 - 606 ه ) معاصرا لابن رشد ( 520 - 595 ه ) . ومن المفارقات المثيرة في تاريخ الفكر العربي الإسلامي أنه بينما كان ذلك المتكلم الأشعري الكبير والمتفلسف يعيد تأسيس المذهب الأشعري باعتماد القياس الأرسطي وتوظيف المفاهيم الفلسفية التي ابتدعها ابن سينا أو كرسها ، كان ابن رشد الفيلسوف والفقيه يفكك مذهب الأشعري مبرهنا على أنه مذهب لا يصلح ، لا للجمهور لابتعاده عن " الظاهر من العقائد التي قصد الشارع حمل الجمهور عليها " ، ولا للعلماء ( الفلاسفة ) لقصوره في استدلالاته ومنحاه عن " البرهان " . هذا فضلا عن جحد أصحابه لكثير من الضرورات العقلية مثل مبدأ السببية الخ . وبعبارة أخرى إنه بينما اتجه الرازي إلى العمل على تجاوز مشاكل علم الكلام المستعصية وأزماته الداخلية بالاستعانة بفلسفة ابن سينا حتى " التبست مسائل الكلام بمسائل الفلسفة " كما يقول ابن خلدون ، كان فيلسوف قرطبة مشغولا بالفصل ، ليس بين الفلسفة والكلام - إذ لم يكونا قد اندمجا بعد - بل بينها وبين الدين جملة ، مجتهدا في إعادة بناء كل منهما من داخله ، محافظا لكل منهما على مباديه وأصوله وبالتالي على استقلاله ، مؤكدا أنهما يلتقيان في الهدف : الفضيلة . الرازي يدمج فلسفة ابن سينا في العقيدة الأشعرية . وابن رشد يعيد بناء كل من الفلسفة والعقيدة القرآنية بالعمل من جهة على تخليص الفلسفة من تأويلات ابن سينا والرجوع بها إلى الأصول ، إلى أرسطو بالذات ، والعمل من جهة أخرى على تخليص العقيدة الإسلامية من تأويلات المتكلمين وفي مقدمتهم الأشاعرة ، والرجوع
--> ( 24 ) ابن خلدون . المقدمة . نفس المعطيات السابقة . ص 1048 - 1049 .